السبت، 17 ديسمبر 2016

الكذبة البيضا والورقة أم خمسة



إنها الكذبة التي رسمت مستقبل شابين،والمستقبل الذي بني على كذبة ليس له رجلين كما كانت تقول لي جدتي أم أبويا.
تلك الحكمة التي أؤمن بها دوماً مثلها مثل الحكمة الأخرى التي تقول "بيدي لا بيد عمرو" وأنا وعمرو هذا لنا قصة كان بطلها كذبة من أم رجلين ولابد أن أعترف لكم بها،والإقرار بالحق فضيلة عسانا أن نتوب ولكن مع توبتنا لابد ألا نحطم المستقبل الذي بنيناه وإلا فسأشعل النار في عمرو هذا وبعدها أسلم نفسي لأقرب قسم شرطة.
المقدمة السابقة أكتبها ويدي ترتعش بسبب عمرو هذا الذي قادني للرزيلة من أوسع أبوابها وإليكم القصة كاملة بلا حذف ولا بتر وربنا ما يقطعلنا عادة في فضح بلاوينا التي خفاها الزمن.
يحكى أن عمرو هذا قام بالهرش في فروة شعره وافتكس افتكاسة لم يسبقه لها أحد من العالمين،تلك الإفتكاسة جاءت بالصدفة حين كان يحك جلد شعره بسبب جرب أصابه فجأة بلا سابق إنذار وجاءته الفكرة وكانت هى الملهمة التي أنقذت حياته وحياتي من الضياع والتشرد على الأرصفة في ذلك الوقت.
لم أفهم نظرة عمرو لي وقد كان صديق العمر ورغم معرفتي الطويلة به لم أستطيع أن أفهم ما وراء تلك البحلقة الكرومبية لوجهي ويبدو أنه كان يفكر بعمق وهو ينظر اتجاهي وطبخته التي يعدها برأسه لم تنضج بعد ومازالت في طور الرسم،انتظرت حتى أنزل أظافره من فروة شعره وتوقف عن الحك وهممت أن أسأله عما يفكر به فسبقني بجملة سريعة مقتضبة أكدت أن الطبخة جاهزة للإلتهام وقال "تحب تتعين في الشركة النهاردة؟" كدت مع نهاية جملته أن أجري وأبحث بسرعة عن شومة وأنهال بها على رأسه التافهه التي أكلها الجرب وصار بسببها لا يفرق بين الهبل والواقع وقلت له :"نتعين أيه يا حمار إذا كان الناس اللي بقالها 10 سنين وقربوا يطلعوا معاش من الدنيا لسه متعينوش قوم تيجي إنت يا فسل وتهرش في راسك وتقول بكل تناكه تحب تتعين في الشركة النهاردة؟..لا يا سيدي خليها بكره النهاردة أنا مش فاضي عندي غسيل" ومع كلمة غسيل أدرت له ظهري ومشيت خطوتين أو ثلاثة فناداني برخامته المعهودة وقال في برود : "إنت حر بس متجيش بعد كده تقول صاحبي باعني".
هذا الصديق الرخم الذي بلاني به الله في تلك الدنيا أسال لعابي بأخر جملة نطقها لسانه وبدأ عقلي يطنطن مثل الذبابة التي تدور حول صينية بقلاوة طازة فتوقفت واستدرت وقلت له محاولاً زعزعته عن موقفه : "إنت متأكد ولا ضاربلك جوانين زفت من اللي بتشربه كل يوم ع الصبح؟" ضحك وقال لي "تعالى وجرب مش هتخسر حاجه" فقلت له وأنا ألف ذراعي الأيسر خلف رقبته في لفتة من الصداقة الحميمية "وماله ورينا يامعلم" فأسرع ومد كف يده الأيمن في الهواء وقال "إيدك على خمسة جنيه" فأبعدت يدي من حول رقبته بسرعة وأنا أقول " يا حلو بانت لبتك..قول بقى انك عايز تثبتني في خمسه جنيه اشتغالة وتدور في الشغل تقول إنك ثبتني في ورقة بخمسة".
بعد ربع ساعة وجدت نفسي واقفاً بجواره أمام كابينة ميناتل بالشارع وبواسطة كارت الإتصال الممغنط أبو خمسة جنيه الذي دفعت ثمنه كاملاً كان صديقي عمرو يتصل بشخص ما ويقول له :
-          ألووو.حضرتك إحنا من طرف ... (وذكر اسم مسئول كبير في مجال عملنا وقد كان استاذاً لنا في الجامعة أيضاً)... وعايزين نيجي نقابل المدير المسئول في الشركة.
-         اتفضلوا تعالوا هو موجود دلوقتي.
وأغلق الهاتف وأنا متسمر في الأرض وكأنما أصابتني صاعقة من السماء والدنيا تدور وتلف بي ولا أدري ماذا أقول لكني قاومت الخوف والكهرباء التي ضربت رأسي حتى أصابع قدماي وقلت له " إنت مجنون وهتودينا في داهية الله يخرب بيتك أيه اللي بتعمله ده؟!!" فقال لي في ضحكة سمجة كعادته "بس تعالى وملاكش دعوة".
وصلنا لمكتب المسئول وأنا أرتعد وصديقي ثابت وهادئ ولا يفعل شئ سوى اظهار ضحكته الرخمة التي تستفزني دوماً وبخاصة في هذا الموقف فهذا ليس وقتها أبداً وتلقي فوق رأسي ببرميل من الحمم البركانية التي تشعل قلبي فتزيده غيظاً فوق غيظه،وقابلنا مدير مكتب المسئول الذي تحدثنا له عبر الهاتف بكل ود وطالبنا بالإنتظار لحين أن ينتهي المدير من مقابلاته ومرت الساعات وأفواج تدخل وأخرى تخرج ومع خروج كل فوج نقول هانت ولكن كان يخرج من تحت الأرض فوج جديد يدخل ثم يخرج ويأتي غيره حتى ظننت أن بالداخل الكعبة المشرفة أو مقام أحد أولياء الله الصالحين وكل هؤلاء يدخلون لأخذ البركات منه في فعل متواصل يبدو أنه لن ينتهي ليوم القيامة.
ومرت ساعات أخرى وجاء الليل ومر منه ساعات وفرغ المكان وفجأة هل علينا المدير أخيراً كعابد خرج من صومعته بعد سنين من المناسك والورع فهب السكرتير واقفاً إحتراماً له ومع هبته فزعنا نحن أيضاً فقمنا واقفين وحين رآنا سأل سكرتيره بسرعة من هؤلاء يا فلان،فقال له "الإتنين اللي قولتلك عليهم العصر ياريس" فقال له وهو يخرج مسرعاً من الباب " خذ منهم أرقام تليفوناتهم وأسمائهم وأماكن عملهم وسنتصل بكم عند حاجة العمل لتعيين وظيفتكم..مع السلامة".
خرجت من المبنى وكل همي أن أحصل من صديقي على الروقة أم خمسة التي جعلني أدفعها على فشوش،فجملة "سنتصل بكم عند حاجة العمل لتعيين وظيفتكم" هى الجملة الأشهر لزحلقة من يتلطعون على أبواب الشركات يطلبون عملاً،لكن صديقي هذه المرة ضحك ضحكة مدوية أغاظتني جداً وقال لي " لقد فعلنا ما علينا ورضينا ضميرنا وخلاص" فقلت له وأنا امسك برقبته أريد أن أخنقه " لكن أنا ضميري مش مرتاح يا معفن إلا لما أخد الخمسة جنيه بتاعتي من رقبتك.دي تأكلني أسبوع حرام عليك.
هذا الموقف الذي قصصته عليكم لا يمكن أن أنساه بسبب خسارتي المادية التي دبسني فيها صديقي وعلى الرغم من تلك التغريمة الباهظة التي تكلفتها إلا أنها كانت سبباً في توطيد صداقتنا أنا وصديقي للأبد لأنه في ثاني يوم وفي نفس الموعد جائني اتصال من سكرتير المدير المسئول وطلب مني أن أحضر أنا وصديقي أوراق تعيننا لأن المدير أمس حين رآنا وكان مسرعاً كان يهم للحاق بمجلس تنفيذي تم من خلاله اعتماد بعض الوظائف للتعيين وكان من بينها وظيفتنا ورشحنا على الفور وخلال 16 يوماً من هذه المحادثة التليفونية كنت أنا وصديقي معينين بسبب كذبة اخترعها وهو يهرش في فروة رأسه أنقذتنا من الشارع ورمت بنا داخل وظيفة محترمة نفتح منها بيوتنا لليوم ولأول مرة في حياتي صداقتي معه ألاحظ أن الهرش في فروة الرأس يجبر الخواطر ويعين أصحاب البطالة ويفتح بيوتاً كادت تغلق.
في النهاية شكراً لصديقي على افتكاسته الكاذبة وأدعو الله أن يكتبها كذبة بيضاء لنا فقد كانت نياتنا خيراً وإن لم يستجب فالوزر كله سأتبرء منه وسأدبسه في رقبة صديقي كما دبسني في الروقة أم خمسة التي مازل يؤلمني فراقها لليوم.

وفقي فكري

الأربعاء، 14 ديسمبر 2016

أنا وسائق التاكسي

هل وجدت نفسك في لحظة مواجهاً نفسك بحقيقة قاسية وهى أنك لابد وأن تستقل تاكسي مرغوماً مكبلاً بهموم "كم ستدفع للسائق في أخر التوصيلة" بعد أن فاتك أتوبيس العمل وغادر مثل الصاروخ غير عابئ من بداخله بمأساتك؟!!
نعم تلك هى الحقيقة المرة وحتماً ستتقبلها شئت أم أبيت أو كن "رامبو" وامتنع عن الذهاب للعمل وتحمل تبعات ذلك.
وقفت على جانب الطريق مستتراً من سقيع صباح الشتاء بكوفيه صوف بنية اللون ألفها حول رقبتي ويداي داخل الجاكت الجلد أتصيد تاكسي "على أد حاله" أتوسم في صاحبة الرأفة وعدم المبالغة في تقدير الأجرة متشفعاً بحالة التاكسي المتهالكة،ما أن قيمت الوضع ووجدته قادماً من بعيد وزئير موتوره ينحر في الأسفلت حتى أخرجت يدي اليمنى على مضض وأشرت له راجياً الوقوف فوقف بسهولة ويسر،اندفعت داخله وأنا أسلم على السائق بجملة تقليدية باهتة دون أن أنظر له وأقول له العنوان بشكل نمطي،وما أن استقر جسدي على الكرسي الجلد حتى غمرني بماس كهربي عارض من شدة برودته،غير أن رجولتي لم تسمح لي أن أظهر ذلك الألم للرجل الذي يجلس خلف مقود القيادة،ثم نظرت له فإذا بي أجد شيخاً عجوزاً لكنه غير بشوش بالمره،فقلت حسناً لاريب فطالما كانت السيارة قديمة متهالكة والرجل شيخ كبير إذاً التوصيلة مباركة إن شاء الله وسندفع ما قل،وكفى المتعاملين شر الفصال والخناق.
انطلق التاكسي وكل جزء منه يشخشخ ويأن وكأنه يلعن اليوم الذي ركبته فيه،ولو أن أحداً طلب مني أن أقيم عمر هذا التاكسي لأعطيته مثل عمر السائق مرتين أو أكثر.
بمجرد أن انعطفنا للمين في شارع طويل فارغ من المارة والسيارات،انطلق لسان العجوز يتمتم،قلت لا بأس ربما يتلو أذكار الصباح فتركته يهمس احتراماً لخشوعه وهذا يسعدني فكل شئ يخدمني ويصب في هدفي الأعظم وهو دفع أجرة قليلة مقابل التوصيلة الإضطرارية لسيارة متهاكلة وشيخ عجوز واضف إلى ذلك رجل تقي وورع،فما أسهلها من توصيلة مريحة ققلب.
انتظرت حتى فرغ من تسابيحه ثم قلت له موحيا له بأني ملتزم مثله "بارك الله فيك يا اسطى..يومك جميل إن شاء الله" فنظر لي نظرة ثاقبة ثم انتظر لجزء من الثانية وقال في جمود لا يعبر عن جملته "نهارك ابيض يابني" اعتدلت ونظرت للطريق وقبل أن أصل لخط الأفق من بعيد حتى باغتني بسؤال فتح باب الحديث بيننا:
-         انت رايح الشغل؟
-         ايوه يا حاج
-         شغال فين؟
-         شغال في شركة كذا
-         بتحب شغلك؟
في هذا السؤال الأخير شعرت أني أمام مطب صناعي ليس على الأسفلت بل مطب كوره السائق بين يديه وألقاه في وجهي فجأه فجاوبته متحفزاً
-         طبعاً بحبه..أهي شغلانه بناكل منها عيش وخلاص يا حاج
-         تبقى مش بتحب شغلك..شاطر
تعجبت من كلمة "شاطر" التي شبكها في ذيل جلمته الأخيرة وشعرت بالغيظ منها فقررت أن أقلب فوقه الترابيزة وأحصره في نفس السؤال:
-         وانت يا حاج بتحب شغلانتك
-         لأ
هى فقط كلمة "لأ" ونظر للطريق وصمت،كسرني هذا العجوز برخامته وتمنيت لو انتهى المشوار ونزلت حالاً من جواره فقد علمت الآن لماذا كان جلد كرسيه بارد مثل سقيع القطب الشمالي.
ساد الصمت قليلاً بيننا وكانت كلمة "لأ" وتجاهله لي ناظراً للطريق خير دليل أنه لايريد أن أمارس حذلقتي وأباغته بكلمة "لماذا لا تحبه يا حاج" ليرد علي ويقول نفس ردي "أهي شغلانه بناكل منها عيش وخلاص يابني" فتتساوى كفتينا ويهدأ غل قلبي لكنه لم ولن يفعل هذا الرجل الخبيث الداهية.
اقتربنا من دخول الشارع الواقع به مقر عملي لكن الطريق مزدحم ويبدو أن الوصول سيستغرق أكثر مما ينبغي،فبدأت أتوتر وأصابعي تعلن عن ذلك التوتر بالضرب في انتظام على حافة شباك الباب الذي بجواري من فوق فتحة الزجاج،ليس لأني أخشى التأخر عن موعد العمل بل لأني أجد الجلسة مع هذا الرجل في تلك السيارة التي أشعر أن صوت موتورها يلعني في كل لحظة مثل جلوسي كمتهم أمام أبيه ويخشى عقابه ويالها من أزمة حقيقة،صرت بين رغبتين؛إحداهما النزول والهروب من أمام وجه هذا السائق والخلاص بجلدي كما يقولون والأخر هو الصبر حتى أصل لباب العمل والجميع يراني أنزل متباهياً من تاكسي قلما يجود به الزمان على موظف مثلي،فماذا أختار؟
هل أختار الطمأنينة والإستقرار النفسي أم تغلبني أطماعي وأتحمل من أجل الإستمتاع "بالفشخرة" الممتعة؟!!
أخيراً قررت النزول متنازلاً عن طموحاتي بعد أن رجح كفتة الخيار الأول احتمالية دفع مبلغ أقل على سبيل أني لم أصل للموضع الذي حددته في بداية الركوب.
أخيراً رأيت قدماي تلمس الأسفلت وأنحنى وأطلب منه تحديد الأجرة في لحظة فارقة بعدها ساد فيها الصمت مني منتظراً وأنطلق لسانه يقول "اللي تدفعه يابني".
شعرت بالطبية الملفوفة بحنية لا نهائية من جملة السائق،فلو كانت خرجت من سائق تاكسي شاب بسيارة جديدة فالتأكيد كل التأكيد أن ذلك مقدمة للـ"التدبيسة الكبرى"،لكنها خرجت من رجل عجوز وقور ذو سيارة متهالكة فبالتأكيد يقولها عن صدق ورضا.
أدخلت يدي في جيبي بهدوء وأخرجت خمسه جنيهات ومددت يدي بها للرجل وابتسامة الإمتنان تملأ وجهي،فسمعت بشكل مفاجئ كزلزال،صوت خشن يخرج من حنجرته أشبه بصوت من يشخر أثناء نومه فصعقت حين تأكدت أنه يقصد بها الإعتراض على الخمسة جنيه بأسلوب تعبيري مصري خالص وأتبعها بكلمة "أيه ده يا اخويا"
قلت له "خمسه جنيه ياحاج" فرد مسرعاً "الخمسه جنيه دي تلفها وتحطها في ؟؟؟ وعلى فكرة أنا مش حاج أنا مسيحي وبشتغل يوم الأحد شماس في الكنيسة وادفع بقى 20 جنيه بدل ما اسبلك الدين واخلي يومك طين فوق دماغ اللي خلفوك".
كل ما أتذكره بعد هذا السيل من الشتائم أني دفعت ولكن لا أعلم بالتحديد كم دفعت فقد أخذ الذهول عقلي وهممت اسابق خطواتي مبتعداً عن التاكسي وأنا اتسائل:
"مسيحي؟!!! أمال أيه الأذكار اللي كان قاعد يسبح بيها دي؟..وأنا اللي قاعد اقوله طول الطريق يا حاج يا حاج وهو في الأخر طلع شماس في كنيسة".
دخلت المبنى الذي أعمل فيه ولم ألاحظ أني لم أوقع بالحضور من شدة الإندهاش،حيث كانت الصدمة عارمة وفاقت كل الحدود،ولكم أن تتصوروا أني دفعت لهذا الموتور العاصي ثمن باهظ على سبه لي طوال الطريق بالإضافة أني رأيت وجهاً أخر لعواجيز لم يربيهم أهلهم ولم يربهم الزمن وجاءوا ليربونا ويخيفونا رغم عنفواننا وهرمهم إلا أن جمله المنسقة المتتابعة والواثقة وتعبيره الصوتي الصريح جعلوني أهتز وادفع بلا نقاش.
من يومها قررت قراراً نهائياً أنني في المرة القادمة حين يفوتني أتوبيس العمل لن أذهب للعمل مهما كانت العواقب وسأعود إلى فراشي لأحلم بأحلام وردية تعوضني خيراً عن هذا الكابوس الذي كاد أن يجعلني أغرق مرتبتي بالتبول اللإرادي،واشتري كرامتي التي بعثرت هذا الصباح الشوي العاصف.

وفقي فكري





السبت، 13 أغسطس 2016

الأغنياء لا يجوعون ولا يظمأون أبدا





إن كنت من الفقراء فعليك أن تتابع كل يوم أسعار السلع وعليك أيضاً أن تضع في كل لحظة تمر عليك في نهارك وليلك كف يدك على موضع قلبك خوفاً من توقفه وأنت ترى جنون الأسعار يشتعل مثل اشتعال النار في هشيم زرع فقد خضاره وسط لهيب صيف حار.
لا عليك إن لم تتابع أسعار زجاجات المياه المعدنية فالفقراء لا يشربونها ولا يهتمون سوى بعبواتها الفارغة التي في الأغلب يبحثون عنها وسط تلال القمامة كمصدر يدر بضع قروش يسدون بها جوع أطفال فاحت من أفواههم رائحة خلوف فم الصائمين عن الزاد طوال العام.
اجلس فوق كنبة تصدر أزيزاً ولا تحمل بجسدك عليها كثيراً خشية أن تضعف من تحتك وتسقط بك بسبب كسر في عمودها الفقري فلن تقوى على شراء بديل لها سوى حصيرة لن تغني عنك شيئاً من لهيب آلام العمود الفقري ثم اشغل نفسك بحساب ما صرفت وما أبقيت من قروش حتى نهاية الشعر واشعر بالخطر والحسرة من عدم قدرتك على إكمال الشهر وتوه في متاهة معتادة واحلم بأن تفقد وعيك ولا تستعيده إلا في أول يوم في الشهر الجديد إن كنت من أصحاب الوظائف الحكومية أو مد يدك لمن حولك تتسول منهم قرضاً معتاداً حتى يرزقك الله من عنده إن كنت من أهل اليوم بيومه.
المتابعون للأخبار كل يوم على صفحات الجرائد المطبوعة والمواقع الإلكترونية الذين يقرأون كل يوم خبر يقول اشتعال الأسعار وارتفاع سعر الدولار وانخفاض الجنيه أمام سطوته ويطلعون على تحقيقات تقول أن مصر ستبدأ مواسم العطش ابتداءً من 2017 وهؤلاء الذين يقرأون أخبار الحرامية الذين سرقوا مصر في عهود سابقة،كل هؤلاء يعلمون تمام العلم أن الأغنياء لا يجوعون ولا يشعرون أبداً بالعطش فلا خشية من سعر تضاعف عشرات المرات أو حتى مئات الأضعاف ولا يهمهم إن كانت مياه النيل سوف تتعرض لخطر النقصان اليقين، فهؤلاء يملكون المال الذي لو أكلوه ليل نهار لن ينتهي ولا يشربون كذلك من ماء النيل الملوث فشرابهم عصائر فاخرة وان اضطروا لشرب الماء بحكم طبيعتهم البشرية التي لا يستطيعون أن يغيروها فإنهم يشربونها من آبار جوفية يضاف لها المعادن والمواد المهمة لبناء الجسم ولو اضطروا سيشتروا تلك الآبار لتكون ملكية كاملة لهم وحين يفرغون من شراب الزجاجات المعدنية،حينها فقط سيأتي دور الفقراء في تلقف فوارغها ليبحثوا من خلالها على خرم إبرة للحياة.
لن يسجن غني يستطيع أن يتصالح مع الكسب غير المشروع طالما سالت أمواله مثل الأنهار وإن سجن فإن سجنه لن يطول وسيتحول لملهى ليلي بفضل شراء راحته بغناه.
من يسجنن هن الغارمات اللاتي لا يستطعن دفع مبلغ ألف جنيه اقترضته أم لإكمال تجهيز بنتها اليتيمة.
الذي يسجن فلاح بسيط حصل على بذور واسمدة من بنك الإئتمان الزراعي وما استطاع تسديده بسبب خيبة اصابت زرعته فمنح محصولاً شاحاً باعه بسعر بخث لتاجر مستغل حتى يصل لمواطن غلبان بأضعاف سعره.
من يبتلى بالسجن شاباً حصل على قرضاً ضاع في سبيل تحقيق حلمه بعد أن نصب عليه رجل أعمال حول له البحر طحينه وتركه فريسة لجزاء لم يقترف إثمه.
يا سادة الأغنياء لا يجوعون ولا يعطشون أبداً ولو ضافت بهم الدنيا وحوصرت مصالحهم هنا فعلى أول طائرة ستجدهم مغادرين مطارها الدولي متجهين لمكان أخر ينفقون فيه أموالهم ويتلذذون بها أيما تلذذ ولن يكون الوطن سوى كلمة تخرج حين الإحتياج ولا يخضعون لعقاب ولا قانون فأموالهم تضعهم فوق أي خط وأعلى من أي حد ولن يبقى سوى الفقراء الذين يمثلون 99% من قاعدة واقع المجتمع.
الفقراء هؤلاء الذين انصحهم كل يوم بمتابعة أخبار السلع والخدمات وعليهم أن ينتظروا الموت كل شهر مع فواتير الكهرباء والغاز والمياه وكأنهم من أهل النار يُقضى عليهم في كل لحظة ثم يعودون لما كانوا عليه ليموتوا مرات لا نهاية لها حتى يستمر العذاب إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فلتقضي اللهم أمرك ولينفذ قضائك وقدرك فما لنا سوى الدعاء وعلى الله قصد السبيل والتدبير .

وفقي فكري

الأربعاء، 4 مايو 2016

رسالة قصيرة



في مساء هذا اليوم لم أحتمل برودة مكيف الهواء،رغبتي في أن أتنفس هواء طبيعي أقرب إلى رغبتي  من التنعم بالهواء البارد،أرسلت يداي تفتح بلهفة ناصيتي نافذة غرفتي،مساء هذا اليوم الصيفي يتوج نهار عاصف بالسخونة والرطوبة العالية،جمعت كل قوتي ولملمت رئتي ثم سحبت فلم أجد هواءً قط يعيد نفخ تجويف رئتي،نظرت للمارة من أعلى فلم أرى إلا رؤوس اختصرت تحتها أجساد بالية تتساقط أجزائها رويداً رويداً مع كل نقطة عرق تغادر كتل بشرية كئيبة عانت من نهار حار شديد الحرارة،وكأن السماء خلت من الهواء،عرفنا منذ الطفولة أنه لا فراع في الكون،إما كتل تشغل أحوزة فيما حولنا أو فضاء يملؤه هواء،وأيا كان الهواء بارداً أو ساخناً نشعر به،لكن تلك الليلة التي بدأت لتوها تخالف تلك القواعد،أول مرة أنظر فأرى فراغ لا يشغله شيئ،كيف هذا؟ كيف لا أشعر بنسيم الهواء يداعب جلد وجهي بلفحة تيار بارد يعوض عنا معاناه نهار قاسي؟ ولو حتى هواء ساخن من بقايا معركة الكون العنيدة طوال ساعات ماضية طويلة ؟ لا أشعر بهذا أو ذاك،هل اختفى الإحساس أم اختفى الهواء من الدنيا؟ هل شلت خلايا جلد وجهي أو حتى ذراعي فلم أعد أشعر بملمس تيار الهواء وهو يمر فوقها يجبر حناياها على الإستجابة ﻹنتعاشة تشبه طعم معجون الأسنان المختلط بالنعناع؟ لا أعلم ماذا حدث.
نظرت للأسفل مرة أخرى عبر النافذة أعاود متابعة خلق الله من الإنس والحيوان فاندهشت مما رأيت،الناس وكأنهم دمى ببطاريات جافة انتهى شحنها فتوقفوا بلا حراك، فركت بظهر كفي الأيمن عيناي ثم عاودت النظر فلم يتغير المشهد، الناس وكأنهم تحولوا لأصنام،لا شئ يتحرك،كل شئ ثابت،حتى الحيوانات والسيارات وكل شئ توقف تماما كأنما نزعت عنهم الحياه نزعاً على حين غرة وبدون مقدمات فتصلبوا كعود بوص جف في وسط الصحراء فصار صلداً لا يقدر على شئ سوى الإحتراق كل يوم في مواجهة الشمس.
أين الهواء وماذا حدث للناس والمخلوقات جميعها،هل أنا مت،هل غادرت الحياه أم هى التي غادرتني،هل نمت وها أنا احلم بكابوس مخيف؟ لا أعرف،لا أسمع صوتاً ولا أشم حتى رائحة تراب الشارع،تلك الملابس المنشورة فوق أحبال التجفيف في البلكونة المقابلة بالشارع لا يداعبها هواء ولا تتحرك وأصبحت هى الأخرى مثل الأخرين كلوح خشب يابس،الخنقة تزيد والتوتر يملؤ القلب والقلق يكاد يهزني هذا كالمصروع،الرعب يتسلل من جراء ما أراه ببرودة من أخصم أصابع أقدامي ويصعد في سرعة يصاحبة قشعريرة متزايدة،هل أنا ميت أم أني في قلب عملية للموت البطئ تسير بالتتابع نحو رأسي ولن تتوقف إلا مع خروج الروح؟ لا أعلم شئ.
خفت أن أفقد السيطرة على يداي فأسرعت قبل أن أتحول أنا الأخر للتيبس وأمسكت بجوانب النافذة وأغلقتها ثم أحكمت شد الستارة القماشية فاختفت النافذة خلفها وأمسكت بريموت المكيف وأعدت تشغيله وإذا بمسام جلدي تعاود الشعور بلفحة الهواء البارد وهى تداعب الشعيرات النابتة على طول أذرعي فأطلقت وجهي أعرضه للتيار وأنا أستمتع بعودة الحياه وفجأة تلتقت أذناني صوت ضجيج الشارع المعتاد وصوت منبهات السيارات وصياح البشر يقتحم جدران غرفتي فتنهدت تنهيدة راحة أزالت الخوف مني وهاجمت زلزال الرعب وردته لأسفل مرة أخرى فتوقفت القشعريرة وانتهى إحساس البرودة وانطلقت قدامي تجوب جوانب الحجرة فرحاً بزوال الكابوس ومع نهاية جفاف أخر ذرات عرق جبيني لمحت شاشة اللاب توب مازلت مضيئة وسطور تلك الرسالة القصيرة منتظرة أن أكمل كلماتها فأسرعت بغلق الشاشة وأويت إلى فراشي وحيداً واحتضنت وسادتي وغوصت في نوم عميق كعادتي وعادت كوابيسي كما السابق.

وفقي فكري